عن سياسة خنازير السعودية في الشرق الأوسط 20/10/2013

الموضوع : قرار المملكة العربية السعودية الاعتذار عن عضويتها في مجلس الأمن.

 

كما في علمكم، جرى، يوم الخميس 17 أكتوبر 2013، انتخاب بعض الأعضاء غير الدائمين في مجلس الأمن. وأسفرت هذه العملية عن انتخاب المملكة العربية السعودية بـ 167 صوتا لأول مرة في تاريخها كعضو غير دائم في مجلس الأمن لسنتي 2014 و2015، وهو مقعد عربي متعارف عليه، تارة يكون من آسيا، وتارة أخرى من شمال إفريقيا.

وبعد مضي أقل من 12 ساعة على هذا التتويج الذي سبقته حملة دبلوماسية قوية، جندت لها المملكة العربية السعودية إمكانيات هائلة، أصدرت وزارة الخارجية السعودية، يوم الجمعة 18 أكتوبر 2013، في سابقة من نوعها، بيانا قويا أعلنت فيه اعتذارها عن هذا المقعد.

 وكانت الأسباب المعلنة عبارة عن احتجاجلعدم إصلاح مجلس الأمن الدولي الذي لا يتحمل مسؤولياته، إذ عجز عن حل القضية الفلسطينية لمدة 65 عاماً، ولم يفرض تحويل الشرق الأوسط إلى منطقة منزوعة من أسلحة الدمار الشامل، ولم يتحرك لإنقاذ الشعب السوري من البطش والقتل واستخدام السلاح الكيميائي ضده“، أي ما وصفه البيان بــ”ازدواجية المعايير“.

ويشرفني فيما يلي أن أعرض لنظركم عناصر التحليل التالية المرتبطة بهذا الموقف:

1) بواعث الموقف السعودي:

أ) شعور بالإحباط وتمرير رسالة غضب أو احتجاج إلى الولايات المتحدة الأمريكية بالدرجة الأولى:

شعرت السعودية بأن التوافقات الأخيرة الأمريكية الروسية حول الملف السوري كانت على حساب مصالحها الجيو-استراتيجية، خاصة وأن الولايات المتحدة الأمريكية لم تستجب للدعوات الملحة بتنفيذ ضربة عسكرية لإضعاف النظام السوري وإنما كان هدفها تخليص إسرائيل من خطر الأسلحة الكيميائية السورية، وهي الآن بصدد فتح قنوات الاتصال مع إيران.

للإشارة، لم تنظم الخارجية السعودية أي حفل توديع لفائدة السفير الأمريكي، James B Smith، الذي انتهت مهمته في الرياض بتاريخ 16/9/2013.

ب) تنويع في الحلفاء:

قام الأمير سعود الفيصل، وزير الخارجية السعودي، بزيارتين إلى باريس شهر غشت الماضي وبداية شهر أكتوبر الجاري، وقد يكون الغرض منهما تعزيز وإبراز التقارب الجديد بين السعودية وفرنسا المبني على المصالح السياسية والاقتصادية المشتركة في هذا الظرف بالذات الذي يشهد فيه التحالف السعودي الأمريكي نوعا من الفتور.

ج) توجيه رسالة إلى الداخل:

لا يتصور أحد أن يكون الهدف من وراء هذا الموقف هو فك التحالف الاستراتيجي القوي بين المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأمريكية، ولكن قد تكون القيادة السعودية ارتأت من المناسب توجيه رسالة إلى السلفيين والإسلاميين، داخل السعودية وخارجها، بأنهم ليسوا الوحيدين القادرين على انتقاد الولايات المتحدة الأمريكية بل إن الحكومة السعودية بإمكانها أيضا شد الحبل مع الإدارة الأمريكية وانتزاع تنازلات فيما يخص بعض القضايا الحساسة، وفي ذلك أيضا حرص على إيجاد عامل تعبئة وأثر إعلامي لصالح القيادة السعودية.

د) تبوأ موقع ريادي:

لا شك في أن السعودية رأت في هذا الموقف فرصة للحد من المنافسة التي شكلتها قطــــر في تدبير بعض القضايا العربية والدولية، ولما لا، ومصـــــر تجتاز فترة عصيبة من تاريخها المعاصر، احتلال موقع ريادي داخل المنظومة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، التي سيترأس مواطنها السيد إياد مدني، أمانتها العامة.

2) ما ذا عن صفقة الأسلحة الأخيرة بين الولايات المتحدة الأمريكية والسعودية؟

يوما واحد فقط قبل إعلان السعودية اعتذارها عن المقعد في مجلس الأمن، نشرت وكالة الأنباء الرسمية السعودية معلومات دقيقة عن صفقة بملايير الدولارات اشترت بموجبها السعودية عددا من الطائرات الحربية والصواريخ وأنظمة الرادار من الولايات المتحدة الأمريكية.

تبدو هذه الصفقة المهمة متناقضة مع الموقف الاحتجاجي الذي تريد المملكة العربية السعودية أن تظهره تجاه الولايات المتحدة الأمريكية. وهنا يمكن القول إن الأمر ينطوي على مصالح حيوية وأساسية بالنسبة لكلا الطرفين بالرغم من الظرفية التي تمر بها علاقاتهما:

فبالنسبة للمملكة العربية السعودية، يظل هاجسها هو تقوية مناعتها وقدراتها القتالية في مواجهة الخطر الإيراني الذي يهدد أمنها واستقرارها وسائر بلدان الخليج العربي. أما الولايات المتحدة الأمريكية، التي يعاني اقتصادها من نقص في السيولة، فالهدف الرئيس هو إنعاش قطاع الإنتاج الحربي من خلال استحضار “فزاعة إيران” وبالتالي خلق الحاجة عند السعودية للتسابق نحو التسليح للتصدي لهذا الخطر.

3) هل يتعلق الأمر بالفعل برسالة إلى المنظومة الدولية؟

أ) انتقاد للمنظومة الأممية:

يمكن قراءة الاعتذار السعودي عن المقعد في مجلس الأمن وكأنه انتقاد موجه إلى المنظومة الأممية، خاصة مجلس الأمن، بسبب افتقاده للمصداقية. وقد يجد هذا التأويل تفسيره في الرسالة التي سبق للسعودية أن مررتها للمجلس على لسان ولي العهد، الأمير سلمان بن عبد العزيز، في خطابه أمام القمة الإسلامية 12 في القاهرة بتاريخ 6/2/2013، والذي أشار فيه إلى أن السعودية “ستدير ظهرها إلى مجلس الأمن” إذا لم يتحمل مسؤوليته في القضايا الملحة التي تهم الأمة الإسلامية والأمن والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، وكذلك الشأن بالنسبة لرفض الأمير سعود الفيصل إلقاء كلمته بمناسبة الدورة 68 للجميعة العامة للأمم المتحدة شهر سبتمبر الماضي بسبب “ازدواجية المعايير فيها“.

صحيح أن بيان الخارجية السعودية برر رفض عضوية مجلس الأمن بالمعايير المزدوجة، وإبقاء القضية الفلسطينية دون حل لأكثر من ستين عاما، والفشل في إحداث منطقة الشرق الأوسط خالية من أسلحة الدمار الشامل، وعدم تسوية النزاع في سورية بإطاحة نظام الأسد، ولكن الصحيح أيضا أن هذه المعايير المزدوجة كانت موجودة منذ تأسيس المنظمة الدولية، فما هو الجديد؟

قد يكون الجديد الذي حذا بالسعودية إلى اتخاذ هذا الموقف هو شعورها بأن رهانها الكبير على الإطاحة بنظام بشار الأسد وما يمثله من امتداد للاختراق الإيراني لمجتمعها وأمنها واستقرارها، باء بالفشل بسبب التراجع عن توجيه ضرب عسكرية ضد هذا النظام. فلو كان مجلس الأمن قد أصدر قرارا ضد سورية وفق البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة الذي يجيز استخدام القوة، لقــبلت السعودية بالعضوية واعتبرتها إنجازا.

ب) أليس من الأفضل محاولة التأثير من الداخل؟  

من طبيعة الحال، لا يُــتوقع أن يـُـشكل الموقف السعودي نقطة تحول في التعاطي مع الإشكاليات والرهانات الجيو-استراتيجية المرتبطة بموضوع إصلاح الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي لأن ذلك يفوق بكثير قدرة المملكة العربية السعودية. لكن، يستطيع هذا البلد، بما يملكه من ثقل مالي وسياسي وديني وعلاقات دولية، أن يكون، من خلال حضوره القوي داخل المنظمة الدولية، على عجزها، لاعبا فاعلا، إذ بإمكانه التأثير أحيانا لتوجيه قرارات منظمة الأمم المتحدة، واستغلال مؤسساتها ومنابرها بما يخدم القضايا العربية والإسلامية.

4) هل يندرج الموقف السعودي في إطار رؤية استراتيجية أم أنه مجرد رد فعل على ما تعتبره تخاذلا؟

لقد اتسمت مواقف المملكة العربية السعودية من العديد من القضايا الدولية بالاتزان والتروي كما أن السعودية تفضل، في غالب الأحيان، العمل من وراء الكواليس، لكن قرارها الأخير بالتخلي عن مقعدها في مجلس الأمن جاء غير منسجم مع هذه السياسة المحافظة.

لذا، فإن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة هو ما إذا كانت القيادة السعودية ستتبنى استراتيجية جديدة تقوم على مواقف “جريئة” مماثلة بالنسبة للقضايا المصيرية التالية:

-القضية الفلسطينية، حيث تترنح المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية ويتواصل الاستيطان الإسرائيلي وتتسع هوة الانقسام بين حركة “حماس” والسلطة في رام الله،

– التهديد النووي الإسرائيلي،

– القدرات النووية الإيرانية،

– مسألة إحداث منطقة الشرق الأوسط خالية من أسلحة الدمار الشامل،

أم أن موقفها الحالي مؤقت وناتج عن فورة غضب من أمريكا وأنها ستغير رأيها خلال أيام معدودة مقابل تعهد بتشديد الموقف الدولي تجاه نظام بشار الأسد ؟

وتفضلوا، السيد الوزير، بقبول فائق عبارات الاحترام والتقدير.

                                                                                      مدير المشرق والخليج والمنظمات العربية والإسلامية

                                                                                                                   أحمد التازي

الكاتب مغربليكس

مغربليكس

مواضيع متعلقة

اترك رداً