إلغاء المجانية.. هل يصبح التعليم في المغرب «لمن استطاع إليه سبيلًا»؟

إجتماعي
23
0
sample-ad

المصدر : ساسة بوست

 

“حان الوقت لكي ترفع الدولة يدها عن مجموعة من القطاعات الخدماتية، مثل الصحة والتعليم، فلا يجب أن تشرف على كل شيء”. (عبد الإله بن كيران، رئيس الحكومة المغربية السابق).

منذ توليه السلطة في المغرب أواخر سنة 2011؛ يسوّق حزب «العدالة والتنمية» المغربي لنفسه، بأنه يتولى مهمةَ التوافق مع شركائه السياسيين، والسلطة الملكية؛ لتوسيع الحريات، وإطلاق التنمية، وتحقيق العدالة في توزيع الثروة، والفصل بين الثروة والسلطة، حتى يتحقق الإصلاح مع ضمان الاستقرار.

ومن بين مشروعات الإصلاح التي نادى بها الحزب؛ مشروع إصلاح التعليم، ليخرج للرأي العام في نوفمبر (تشرين الثاني)  2016 توصيةٌ من «المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي»، الذي يرأسه المستشار الملكي «عمر عزّيمان»، حول مشروع قانون في إطار إصلاح المنظومة التربوية، تقدّمت به حكومة «عبد الإله بنكيران» – آنذاك – بطلب من الملك محمد السادس.

ويعود الجدل إلى هذا القانون مع عزم حكومة «سعد الدين العثماني» التوجه لاعتماد هذه الإصلاحات الجذرية التي تمس مجانية التعليم بالنسبة للتعليم الثانوي والجامعي من خلال إشراك الأسر في تمويل التعليم، وذلك بعد مصادقة المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي على هذا المشروع؛ فما هي دوافع المملكة المغربية من قرارها إلغاء مجانية التعليم في البلاد؛ في السطور التالية نحاول الإجابة على هذا التساؤل.

واقع التعليم في المغرب

في تقريرٍ لها لسنة 2017 صنف «المنتدى الاقتصادي العالمي» المغرب في المرتبة رقم 104 في «المؤشر العالمي لجودة التعليم العالي» وفقًا لعدة معايير، بينها جودة نظام التعليم، كما حلت جامعة القاضي عياض بمدينة مراكش – التي تعدّ الأفضل في المغرب – في المركز رقم 1991 عالميًا، وفقًا للمؤشر العالمي لترتيب الجامعات 2017، الصادر عن موقع «ويبومتريكس» المتخصص، تأتي هذه الأرقام في ظلِّ الأوضاع المأساوية التي يشهدها قطاع التعليم في المغرب، إلى درجةٍ باتلا  يدرك مرحلة البكالوريا سوى 13 طفلًا من أصل 100، في وقتٍ بلغت فيه نسبة الأمية عتبة 40 %.

وفي أحدث تقاريرها كشفت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونيسكو» معطياتٍ صادمة حول التعليم في المغرب، ضمن تقريرها عن «تقرير رصد التعليم العالمي لعام 2017» الذي أصدرته أواخر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، والذي دقّ ناقوس الخطر حول واقع التعليم الحكومي في المغرب، بعد كشفه عن إقفال ما يقرب من 200 مؤسسة تعليمية عمومية في ظرف خمس سنوات فقط.

 وأضافت «اليونسكو» – في تقريرها – أن التعليم المغربي أصبح أداة لتكريس الطبقية في المجتمع المغربي، بعد موجة الهجرة السريعة التي عرفها بعض الأولياء نحو التعليم الخاص؛ إذ ارتفعت نسبة التوجه من التعليم العمومي إلى الخاص من 4% عام 1999 إلى ثلاثة أضعاف سنة 2015؛ لتبلغ مستوى 15%.

ولم يغضّ تقرير اليونسكو الطرف عن المرافق والتجهيزات الخاصة بالمؤسسات التعليمية العمومية؛ فنالت نصيبها من النقد؛ إذ رصد أنّ 50% من المؤسسات التعليمية الحكومية لا يتوفر فيها أدنى مرافق الصحة، من دورات المياه والعيادات الصحية، كما أكّد التقرير أن 40% في من التلاميذ الذين تتراوح أعمارهم ما بين 13 و15 عامًا يتعرضون للعنف الجسدي في الوسط المدرسي، فيما وقع 38% منهم ضحية ترهيب مرتبط بالجنس في المدرسة.

واعترفت الحكومة المغربية بوجود اختلالات تمسُّ قطاع التعليم في البلاد، وفي أوّل حديث له بعد تنصيبه وزيرًا للتعليم، تعهد «محمد حصاد» أنّ أوّل موسم دراسي يشرف عليه 2017/ 2018 سيشهد تحقيق عدة أهدافٍ لخصها في تحسين النموذج البيداغوجي- أي من ناحية المستوى كمًا ونوعًا – وتنويع العرض التربوي، والعناية ببنيات الاستقبال، وتحسين ظروف التعليم، وتعزيز التكامل بين مكوّنات المنظومة، وإعادة الانضباط، والعمل على تقليص عدد التلاميذ في الأقسام؛ حتى لا يتجاوز 30 تلميذًا في القسم الأول الابتدائي، و40 تلميذًا في بقية الأقسام، وتوظيف 24 ألف أستاذ جديد بموجب عقود.

مع القانون الجديد.. التعليم في المغرب «لمن استطاع إليه سبيلًا»

في أُولى جلساتها لهذا العام، ناقش اجتماع المجلس الحكومي الأسبوعي مشروع القانونٍ الذي  ينصُّ على إلغاء مجانية التعليم، على أن يُناقَش في البرلمان خلال الأيام المقبلة، ويعود مشروع هذا القانون إلى الواجهة، بعد شروع الحكومة في مناقشته قبل طرحه أمام البرلمان للمصادقة عليه أو رفضه، ويرد في نصّ مشروع القانون أنّ «الدولة تواصل مجهودها في تعبئة الموارد وتوفير الوسائل اللازمة لتمويل منظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، وتنويع مصادره، ولا سيّما تفعيل التضامن الوطني والقطاعي، من خلال مساهمة جميع الأطراف والشركاء المعنيين، وخصوصًا الأسر الميسورة منهم، والمؤسسات والمقاولات العمومية والقطاع الخاص».

وبعد موجة الجدل والغضب التي أسفرت عنها الخطوات الأولى للمشروع، سارع رئيس الحكومة المغربية «سعد الدين العثماني» إلى نفي تخلي الحكومة عن مجانية التعليم، في وقتٍ تسابق الحكومة المغربية الزمن لتعديل مشروع قانون الإطار المتعلق بمنظومة التعليم قبيل عرضه للمصادقة على البرلمان، خاصةً في الشق الذي يتعلق بإقرار رسوم التسجيل في التعليم العالي، ولاحقًا في التعليم الثانوي التأهيلي على الأسر الميسورة.

 حيث ينصّ مشروع القانون على أنّ «الدولة تعمل طبقًا لمبادئ تكافؤ الفرص على إقرار مبدأ المساهمة في تمويل التعليم العالي بصفة تدريجية، من خلال إقرار رسوم للتسجيل بمؤسسات التعليم العالي في مرحلة أولى، وبمؤسسات التعليم الثانوي في مرحلة ثانية، وذلك وفق الشروط والكيفيات المحددة بنص تنظيمي، مع الأخذ بعين الاعتبار مستوى الدخل والقدرة على الأداء».

وتشير إحصاءات لمكتب الإحصاءات المغربي إلى أن 59% من الأسر المغربية تقول إنّ دخلها يغطي مصاريفها، في حين أن 33.4% منها تستنزف من مدخراتها أو تلجأ إلى الاقتراض، ولا يتجاوز معدل الأسر التي تتمكن من ادخار جزء من دخلها 7.6%.

وصرح مسؤولٌ كبيرٌ في وزارة التربية المغربية لوكالة «فرانس برس» رافضًا كشف اسمه «سيبدأ العمل برسوم التسجيل في عدد من فروع التعليم العالي الرسمي»، مؤكدًا في المقابل أن «قطاعي الابتدائي والثانوي ليسا معنيين» بهذا الإجراء. وجديرٌ بالذكر أنّ عدد طلاب الجامعات المغربية ارتفع من 780 ألفًا العام الماضي، إلى حوالي 900 ألف مع بداية العام الجاري.

في وقتٍ أكّد فيه «مصطفى الخلفي» الناطق باسم الحكومة، في مؤتمر صحافي عقب مصادقة المجلس الحكومي على مشروع القانون مطلع يناير (كانون الثاني) الجاري، أن مشروع القانون سيتم عرضه في اجتماع مقبل للمجلس الوزاري، يرأسه العاهل المغربي الملك محمد السادس، للمصادقة عليه، قبل طرحه أمام البرلمان لمناقشته والتصويت عليه، دون تحديد موعد لذلك.

معارضةٌ كبيرةٌ لإلغاء مجانية التعليم في المغرب

في بيانٍ لها أعربت الجامعة الوطنية للتعليم، وهي نقابة مستقلة منطوية تحت لواء الاتحاد العام للشغل المغربي رفضها القاطع للخطوات الحكومية المتعلقة بإلغاء مجانية التعليم، متهمةً في بيانها الحكومة المغربية بالعمل على «تدمير التعليم العمومي، والقضاء على الجامعة المغربية؛ لفتح المجال على مصراعيه، ليس للجامعات الخاصة فقط، بل للإقصاء الاجتماعي والتمييز بين فئات الشعب المغربي، وسد الطريق أمام الأسر المعوزة من دخول أبنائها الجامعات والمعاهد العليا المتخصصة العمومية»، على حد ما جاء في البيان، وأوردت أن «التعليم العمومي بكل مستوياته مكسب شعبي غير قابل للتفريط فيه، باعتباره منفذًا لتقدم البلاد»، مطالبة الحكومة بالسحب الفوري لهذا المشروع.

بدورها هددت «الفيدرالية الوطنية المغربية لجمعيات آباء وأمهات وأولياء أمور التلاميذ» بالنزول إلى الشارع للتظاهر ضد القانون من أجل ثني الحكومة عن المضي قدمًا في تفعيل هذا الإجراء، ودعت المسؤولين السياسيين على أعلى المستويات إلى التراجع الفوري عن الإجراء، واصفةً إياه بـ«الجائر والمتزامن مع انسداد أفق المنظومة التربوية بعد فشل كل ورش الإصلاح».

وقالت «آمنة ماء العينين» عضو المجلس عن نقابة الاتحاد الوطني للشغل: «إن ثلاث نقابات كبرى – من بينها نقابتها – ترفض مشروع القانون المتعلق بإلغاء مجانية التعليم»، مؤكدةً أن نقابتها رفضت أصلًا مناقشة المجلس الأعلى للتربية والتكوين هذا المشروع.

ويواجه رئيس الحكومة الدكتور «سعد الدين العثماني» موجة معارضةٍ شديدةٍ من طرف نواب ينتمون للأغلبية البرلمانية بسبب مشروع القانون، وهدد العديد من النواب المنتمين للأغلبية في مجلسي النواب والمستشارين بالتصويت ضده بعد إحالته إلى البرلمان، مؤكدين الاصطفاف إلى جانب المعارضة ضد المشروع الحكومي الذي يستهدف بالدرجة الأساس الفئات المتوسطة.

واستنكر ناشطون مغاربة على شبكات التواصل الاجتماعي ما أسموه «عزم الحكومة المغربية إلغاء مجانية التعليم الثانوي والعالي»، ويرى ناشطون أن هدف القرار هو «إلغاء مجانية التعليم؛ ما يهدد مستقبل المغاربة».

ما هي دوافع المملكة لإلغاء مجانية التعليم؟

 في تغريدةٍ له على على موقع «تويتر» أكّد «سعد الدين العثماني» أن حكومته لن تتخلى عن مجانية التعليم في المغرب، وقال العثماني: «غير صحيح بالمرة تخلى الحكومة عن مجانية التعليم؛ فمشروع القانون الجديد يتحدث عن أداء الأسر الميسورة لرسوم التسجيل».

وأوضح العثماني في تغريدة ثانية أنّ هذا الإجراء لا يعني الأسر الفقيرة، ولا التي هي في وضعية هشة، ولا حتى الأسر المتوسطة، مؤكدًا أنه ستتم الإشارة بوضوح إلى هذا التدقيق في نص المشروع؛ «لأن هدفنا هو تحقيق تكافؤ الفرص، علمًا أن تطبيقه يستند إلى نص تنظيمي يخضع لدراسات وحوار، وسنتواصل مع المواطنات والمواطنين، ونبلغ الرأى العام مضامين مشروع القانون الإطار، وفق خطة تواصلية، وذلك بمجرد المصادقة على النص النهائي في مجلس وزاري، وبعد إحالته إلى البرلمان؛ بقصد عرضه للنقاش والمصادقة عليه من طرف ممثلي الأمة»

وأشار العثماني إلى أن مشروع قانون الإطار الحالي يتضمن ما جاء في الرؤية الاستراتيجية للإصلاح (2015/ 2030) التي سبق أن حازت على توافق من قبل الحكومة من خلال ممثليها في المجلس الأعلى للتعليم، ومن جهته أكدّ الوزير المكلف بالعلاقات مع البرلمان، والناطق الرسمي باسم الحكومة «مصطفى الخلفي»، أن الدولة المغربية تضمن مجانية التعليم الإلزامي الذي يشمل التعليم الأولي والابتدائي والإعدادي، ولا يحرم أحد من متابعة الدراسة بعد التعليم الإلزامي لأسباب مادية.

وأضاف الوزير إلى أن إقرار رسوم للتسجيل بمؤسسات التعليم يهم الأسر الميسورة فقط، ووفق نص تنظيمي يأخذ بعين الاعتبار مستوى الدخل والقدرة على الأداء، مؤكدًا عزم الدولة المغربية استحداث صندوق خاص بموجب قانون المالية لدعم عمليات تعميم التعليم الإلزامي وتحسين جودته، بتمويل من الدولة والبلديات والمؤسسات والمقاولات العمومية، إلى جانب مساهمات القطاع الخاص وباقي الشركاء.

Facebook Comments

POST A COMMENT.