قصة الدبلوماسيين الثلاث الذين جاؤوا من مشارق الأرض ومغاربها كل من قارة

صفاتهم التواضع ونكران الذات .. لذلك إشتغلوا بعيدا عن الأضواء لعقود من الزمن ولم يعرف كثير منا عنهم حتى رحلوا الى الأبد ..

قصة الدبلوماسيين الثلاث الذين جاؤوا من مشارق الأرض ومغاربها كل من قارة .. من قارات العالم المتباعدة جدا .. وكما جمعتهم الوجهة نحو الأهل والخيام في ذلك اليوم الحزين فقد جمعتهم وحدة الهدف والمصير المشترك .. كذلك جمعتهم الموت ..

يقال .. ” .. أدركت أنه لا شيء يستطيع أن يحقن في أوردتك جرعات من الود العميق تجاه إنسان كما يفعل سلوك (التواضع) والتصرف بعفوية وبساطة بعيدا عن مكياج (الأهمية) الكاذب والأدعاء والتصنع .. وربما الشعور المبتذل بالعظمة! .. ” ..

هم .. محمد لغظف بتاح المعروف بكريم .. الشيخ الدوة بوسيف المعروف بولد الدوة .. محمد سالم تقيو ايدة المعروف ب بناني .. ثلاثة رجال سمتهم التواضع والبساطة والعمل والتضحية بالعمر والعائلة بعيدا عن الأضواء والضجيج لذلك كان الجميع يسأل بعد الفاجعة عن هويتهم وأين كانوا يعملون وما كان الكثير منا يعلم ان هؤلاء الرجال من الذين قيل عنهم رجال الظل الذين يشتغلون في صمت وان بصماتهم كانت تحرك ماكنات العمل الدبلوماسي في قارات العالم الثلاث .. الطيبون الثلاثة كانوا من ضحايا الطائرة المنكوبة يوم الحادي عشر من أبريل ..

كريم .. الكريم .. قرر السفر مع رفيق دربه على متن الطائرة العسكرية بعد ان تنازعا الإثنان ليلة الثلاثاء تسليم تذكرة السفر بالطائرة المدنية لإبنة شهيد ..

كان رجلا رائعا صالحا مجاهدا كريما طيبا .. عمل منذ سنوات شبابه من اجل هدف وإنخرط لأجل تحقيقه في مؤسسات عدة وعمل من اجله في ميادين عدة من الإعلام الى الدبلوماسية مرورا بعدة قطاعات حتى راكم تجربة في النضال قل مثيلها .. 
كريم الذي لا يعرفه الكثير منا عمل سفيرا وممثلا للدولة في عدة بلدان منها البرتقال والبرازيل ليستقر أخيرا في منصب مستشار بوزارة الخارجية لكنه وقبل ذلك عمل إعلاميا بارزا خلال سنوات الثورة الاولى .. 
كان رجلا بسيطا جدا وبشوش وشخصيا إلتقيته مرات قليلة ولم أكن أعرف وقتها اين يعمل هذا الرجل اللطيف الذي لا يتبجح بمنصبه ولا يصرخ بإنجازاته ولا تاريخه لانه يعتبر كل ذلك مجرد واجب ظل يؤديه بأمانة بعيدا عن الأضواء حتى وافاه الأجل المحتوم ..

الشيخ الدوة .. الرجل الرزين .. او شيخ الدبلوماسية الهادئة .. سلم تذكرته الخاصة بالسفر في الطائرة المدنية لإبنة شهيد ليركب هو الطائرة العسكرية ..

كان الرجل الهاديء والرزين والذي بالكاد ستسمعه يتكلم .. كان متوجها لمطار هواري بومدين يوما واحدا قبل الفاجعة ومعه رفيق دربه كريم للسفر في الطائرة المدنية فوجدوا بالمطار إبنة الشهيد البخاري احمد متوجهة الى مخيمات اللاجئين فسألوها هل تملك تذكرة في نفس رحلتهم في تلك الليلة فأجابتهم بأنها لا تملكها وأنها ستسافر في صباح اليوم الموالي على متن الطائرة العسكرية .. فدخل الرجلان في نزاع ايهم سيعطي تذكرة سفره لإبنة البخاري من اجل راحتها وفي النهاية سلمها الشيخ الدوة تذكرته وقال لها سأعود لأخذ مكانك في الطائرة العسكرية وكذلك قرر كريم العودة مع رفيق دربه فتوجها معا الى المطار فجرا بعد ان وصلت إبنة الشهيد للمخيمات تلك الليلة وليحدث ما حدث ويرحل الرجلان الى الأبد مع كل الذين رحلوا من أبناء الشعبين الجزائري والصحراوي في فاجعة أليمة وسيذكر التاريخ قصصهم الرائعة طويلا .. 
عرف الشيخ الدوة الذي إلتقيته مرات عدة بمكان عمله بالتواضع ولكن أيضا بالتواجد في مكتبه والثبات وطول النفس في أداء واجبه .. كان رجلا هادئا جدا وقليلا ما يتحدث ونادرا ما يظهر في وسائل الإعلام .. لقد ظل يعمل بعيدا عن الأضواء بكل جد في سبيل قضية آمن بها وكرس حياته لأجلها متنقلا حيث يتم تعيينه بين عدة وظائف كان أخرها نائبا للسفير بدولة الجزائر الشقيقة وهو المنصب الذي ظل يشغله حتى وافاه الأجل المحتوم وما بدل تبديلا ..

قصة غريبة .. او حين يناديك الأجل .. محمد سالم تقيو .. كان متوجها الى عمله فتعرضت قريبته بالمخيمات الى حادث فقرر العودة بأية طريقة للإطمئنان عليها فإنتهى الامر به بشكل عجيب ان ركب تلك الطائرة ..

قبل يوم من سقوط الطائرة كان الرجل وحتى ذلك الحين متوجها الى عمله إنطلاقا من الجزائر العاصمة مرورا بإسبانيا لكن حدث ما لم يكن في الحسبان فتعرضت قريبته لحادث بمخيمات اللاجئين فكان مصرا على العودة اليها بأي ثمن وفي اسرع وقت فذهب للطائرة المدنية مرتين يوم الثلاثاء فلم يجد مكانا في الطائرة المتوجهة منتصف الليل الى تندوف فحجز في الثانية المتوجهة فجرا .. وعندما جاء فجر الأربعاء للمطار المدني هواري بومدين وجد الرحلة قد ألقيت فقرر الإسراع والتوجه الى بوفاريك للإلتحاق بالطائرة العسكرية ووصل فعلا وركب وحدث ما حدث ..
عمل الشاب الناضج بعدد من القطاعات قبل ان يستقر مؤخرا سكريتيرا للدولة بتيمور الشرقية .. هو كذلك من الرجال الذين يعملون في صمت .. كان إنسانا طيبا حنونا متواضعا وبسيطا .. عرف وسط أصدقائه بدماثة الخلق .. كان شابا مثقفا جدا وقد ترك بصمة لا تمحى كدبلوماسي شاب عاش ورحل من اجل مباديء آمن بها حتى النخاع وظل يتنقل ويسافر مكرسا وقته لقضيته ومضحيا بنفسه وبأسرته الصغيرة حتى وافاه الأجل الذي لا مفر منه ..
وختاما قيل .. ” .. قل لجلادي العالم أن السياط لا تلغي القيم .. و أن المشانق لا تقتل المبادئ و أن التعذيب لا يميت الحقوق .. و اقرأ في شموخ و صدق ( قل هو الله أحد ) كما قرأها بلال بن رباح .. فعاش عليها و مات عليها .. و قد بقي صوته ينقل حياً على هواء القلوب عبر أثير الصدق و الصمود و الإصرار و الصلاح و الصبر .. ” .. 
وعزائي لعائلة كريم وولد الدوة وبناني .. كل أفراد عائلاتهم وكل رفاق دربهم وأصدقائهم كل بإسمه الخاص راجيا من الجليل الكريم ان يشملهم بواسع رحمته ولطف مغفرته وان يلهمنا جميعا جميل الصبر إنه سميع مجيب .. 
وإنا لله وإنا إليه راجعون .. 
عبداتي لبات الرشيد

 
هذه المقالة كُتبت ضمن التصنيف الصحراء الغربية. الوسوم: , . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.