ثورة الريف الثالثة؛ الحراك و ما بعده

بقلم البوسني عبد المنعم

مقدمة لابد منها:

تشهد منطقة الريف بالمغرب حراكا شعبيا انطلق مباشرة اثر مقتل بائع سمك،محسن فكري، نهاية أكتوبر 2016، مدهوسا بداخل حاوية للأزبال، بأمر من مسئولين بأجهزة المراقبة و الضبط بميناء الحسيمة، شمال المغرب. و بالرغم من أن الظروف و الملابسات المحيطة بهده الجريمة، التي تتحمل مسؤوليتها الدولة عبر فعل أحد أجهزتها، لازالت غامضة كما هو حال عدد من جرائم النظام المخزني، فالإحساس بما يسميه المغاربة بال‌‌”حكرة” كان عنوان ما ترتب عنه هدا الفعل الإجرامي الشنيع، نظرا للمشهد الصادم لعملية القتل، حيث شوهد الشهيد عبر مواقع تواصل شبكة الأنترنت وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة  وسط ركام من الأزبال، فخروج جماهير غفيرة بمجموع المناطق المغربية كان تعبيرا وافيا لمدى هول صدمة الحدث المريع. يمكن اعتبار هدا الحدث القشة التي قصمت ظهر البعير وخلقت نوعا من الرعب الممزوج بالغضب اتجاه الدولة، إحساس شمل حتى أولئك الدين يكنون ودا دون هوادة للدولة المغربية ولا ينتابهم لحظة شك الأغلبية في طبيعتها القمعية. و ادا كان ضحايا القمع بالمغرب كثر مند حراك ما يسمى بالربيع العربي على الأقل، فمقتل محسن فكري يكتسي طابعا متميزا، رغم أنه لا يحيد في أحد أوجهه عن قاعدة الخروقات المنتهجة كمنطق التدبير السياسي و الإداري بالمغرب.

هناك أولا سلسلة من عمليات الموت باضرام الجسد بالنار على غرار شهيد الحكرة التونسي، المرحوم البوعزيزي. الحالات و السياقات الدراماتيكية لكل عملية انتحار من هدا النوع لا تثير الإحساس بالألم فقط، بل تدمي ضمير من يتجرع غياب الضمير و المسؤولية لدى من تبوؤوا الحكم. ما يثير الغضب أكثر في قضية استشهاد بائع السمك هو خاصية “التطرف” التي ميزتها و التي تشكل في عمقها عنوان التوجهات السياسية العامة ضمن مخططات نيوليبرالية لا تراعي ظروف هشاشة البنى الاجتماعية. من ثمة يتخذ موت محسن فكري شكل صراع تراجيدي بين فرد يسعى إلى  النبش عن العيش من حد سكاكين العراقيل اللامتناهية المزروعة أمامه كالألغام، و أجهزة إدارية تتمدد كالإخطبوط، وظيفتها بل تكوينها الجيني ينم بالأساس عن دافع القهر و البطش و التنكيل بالمواطن كلما سنحت لها فرص تحقيق دلك. فبالرغم من تركيز المطالب الشعبية على تشذيب هده النزوة القمعية لدى السلطة الإدارية بكل تفرعاتها، فالغالب أن هده النزعة ستستمر بل يمكن القول بشكل موضوعي أن طبيعة الاختيارات الاقتصادية المنتهجة حاليا تستلزم من أجل تمريرها الاستعانة بخدماتها.         

الريع والتوحش الليبرالي

من نافلة القول إن المغرب يعتبر أنمودج التلميذ النجيب في ما يتعلق بتطبيق الاملآت الرسمية للسوق المالي العالمي دون مراعاة المصلحة الشعبية التي تشكل المعيار الأساس لكل مرجعية سيادية، بكل ما تحمله الكلمة من معنى. فالتوجهات الاقتصادية للبلد لتعدو أن تكون في جملتها عبارة عن املاءات من المؤسسات المالية العالمية، يتم تمريرها عبر القصر، إلى كل الحكومات بغض النظر إلى تلاوينها الحزبية. فادا كانت الحكومات السابقة عن تبوء الإسلاميين مقاليد الحكومة دون الحكم تنتهج أسلوب ‌”التقية” في كشف مصدر القرار السياسي هدا المتعلق بالبنك الدولي و المؤسسات المالية، أصبحنا شهودا لتباهي السيد عبد الإله بنكيران برضا صندوق النقد الدولي عن برنامجه الحكومي عندما كان وزيرا أولا للولايتين السابقتين قبل أن تتم تنحيته لأسباب لازلنا نجهل حيثياتها إلى اليوم. دلك أن الرجل، شأنه في دلك كشأن جميع التيارات الأصولية الاسلاموية، لايعير للمسألة الاقتصادية أدنى اهتمام في وقت أصبح فيه الاقتصاد و الاختيارات الاقتصادية الحجر الأساس و الركيزة لكل بلد في ظل الزحف العولماتي و تداخل مصالح قطاعات قوية و فاعلة داخل المنظومة الوطنية بمصالح منظومات عالمية متعددة الجنسيات. علاوة على الدور الذي أصبحت تلعبه مؤسسات فوق دولاتية يتم الالتجاء إليها كوسيط تكنوقراطي من أجل صياغة البرامج القطاعية لحكومات يفترض أنها تتوفر على مشروع سياسي ملائم لتوجهاتها الأيديولوجية. 

من هنا يتضح أن الدولة بالمغرب تتجاذبها الآن، من جهة، قوة المخزن التي طبعتها بقالبها ألريعي المفترس مع ما يستتبع هدا التوجه من  توظيف لآليات الإكراه و الضبط المجتمعي عبر تقوية الأجهزة الأمنية. ثم يأتي ،من الجهة الثانية، دور المؤسسات المالية العالمية نظرا لما أصبحت تمثله من وظيفة هيكلية للمنظومة الاقتصادية المغربية بعد أن تم إفراغ الحقل السياسي المغربي من كل محتوى سيادي عبر تقزيم البراد يكم (le paradigme) الحزبي و حصر وظيفته في تنفيذ قرارات ذات طبيعة تكنوقراطية ليس إلا، أي لا تراعي الشق الاجتماعي الذي يفترض أن تلك الأحزاب تشكل ألأداة المعبرة عن مصالحه.

فالاحتقان الحاصل ألان بالريف مرشح ليمتد إلى مناطق أخرى على الرغم من مساعي أجهزة الدولة العميقة إعطاءه صبغة هوياتية من خلال اتهام عناصره بالانفصال بغية عزله عن محيطه الوطني. وما المظاهرات الأخيرة بعدد من المدن و المداشر في شتى الأقاليم الوطنية إلا دليل على أن القاعدة الموضوعية للاحتجاجات الحالية و القادمة بالمغرب لازالت فاعلة مادامت الاختيارات السياسية لا تراعي  أدنى شروط التعاقد الاجتماعي. 

المصدر

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*
*