سلاح المقاطعة

علي أنوزلا
انطلقت، قبل أسابيع، دعوات في “فيسبوك” تطلب من المغاربة مقاطعة بعض الماركات التجارية الاستهلاكية. بدأت الدعوات محتشمةً، لكنها سرعان ما تحولت إلى حملة واسعة غزت الفضاء الأزرق الافتراضي، قبل أن تخلق واقعا على الأرض، ويظهر أثرها جليا على حياة الناس، وعلى اقتصاد الشركات المستهدفة، واتخذت أشكالا إبداعية وفنية، أبانت عن عبقرية الخيال الشعبي، عندما تترك له الحرية للتعبير عن نفسه بدون وسائط اجتماعية أو رقابة سياسية.
بدأت حملة المقاطعة مثل بالون اختبارٍ أطلقه هواةٌ من رواد المواقع الاجتماعية، واستهدفت ثلاث مواد استهلاكية أساسية، هي ماء معدني وماركة حليب مبستر (ومشتقاته) وشركة توزيع محروقات. للوهلة الأولى، يبدو الاختيار اعتباطيا، خصوصا إذا عرفنا أن سبب المقاطعة، كما أُعلن عنه في بداية الحملة، هو غلاء أسعار هذه المواد، وقد يقال إن هذا حقٌّ يراد به باطل، لأن كلفة المعيشة باتت مرتفعةً في المغرب، والغلاء يطاول جميع المواد الاستهلاكية والخدماتية بلا استثناء، فلماذا اختيار ثلاث مواد استهلاكية بعينها، دون باقي المواد الأخرى، وأسعار بعضها لا تختلف عن أسعار المستهدفة بالمقاطعة؟
لكن الحملة التي انطلقت تلقائية وعشوائية سرعان ما ظهر في الفضاء الأزرق من ينظّرون لها، ويوجّهونها لتأخذ بعدا سياسيا، وتتحول إلى فعل احتجاج سياسي، بعدما كانت مجرد صرخة
احتجاج شعبي ضد غلاء أسعار مواد استهلاكية أساسية، ليتبيّن فيما بعد أن انتقاء ثلاث مواد أساسية لتكون موضوع المقاطعة كان مدروسا، أو على الأقل، وجد من ينظّر له، ويفسر للناس ما يبرّره في الواقع السياسي المغربي، فالماركات الاقتصادية الثلاث تابعة لشركاتٍ يجمع بينها أكثر من رابط مشترك، والدعوة إلى مقاطعة منتجاتها تحمل رسائل سياسية متنوعة متداخلة ومتقاطعة، فمقاطعة شركة توزيع محروقات مملوكة لرجل أعمال ووزير قوي داخل الحكومة الحالية، وفي الوقت نفسه، هو زعيم حزب سياسي مقرّب من القصر، فيها رسالة احتجاج واضحة ضد الجمع بين المال والسلطة، خصوصا إذا كانت السلطة ممنوحةً تخدم مصالح صاحبها، ولا تضعه في خدمة الصالح العام. أما مقاطعة منتوجات شركة مملوكة لسيدة أعمال مقرّبة، هي الأخرى، من القصر، ورئيسة فيدرالية نساء ورجال الأعمال المغاربة، فهي رسالة ضد الجشع الذي تبديه بعض نساء ورجال الأعمال عندما يبتزّون الدولة والحكومة، ويستعينون بالسلطة والقرب منها لحماية مصالحهم وزيادة أرباحهم على حساب شعبٍ مغلوبٍ على نفسه، فقد الثقة في من يمثله داخل الأحزاب والنقابات والبرلمانات المنتخبة والحكومات التي تتحدّث باسمه. ووقع اختيار المقاطعة الثالث على مواد ينتجها فرع شركة فرنسية في المغرب، وفي هذا رسالة ضد لوبي الشركات الفرنسية أو المفرنسة التي ما زال بعضها يتعامل مع المواطن المغربي بعقلية المستعمر البالية.
في البداية، تعامل أصحاب هذه الشركات بتجاهل تام مع الحملة، قبل أن يتحول إلى استهتار بيِّن، عندما بدأت تصدر عنهم ردود أفعال غير موزونة، أبانت عن عدم فهم واستيعاب أصحابها لطريقة التواصل مع الشعب المغربي، خصوصا تصريح مندوب الشركة الفرنسية الذي وصف مقاطعة المغاربة منتوجات شركته بـ “خيانة الوطن”، أو تصريح وزير المالية الذي ينتمي إلى حزب زميله في الحكومة ورجل الأعمال الذي استهدفت المقاطعة منتوجات شركته، عندما وصف المقاطعين بـ “المداويخ”، أي المخدّرين. وقد أدت ردود الأفعال هذه غير الموزونة إلى تأجيج الحملة على الفضاء الأزرق، وعلى أرض المواقع، وظهر لها مؤيدون كثر ومعارضون أيضا.
يشكك معارضو هذه الحملة في خلفياتها، وفي من يقف وراءها، ومن بينهم من يذهب إلى اتهام حزب العدالة والتنمية الإسلامي الذي يقود الحكومة بالوقوف وراءها، ويوجهون أصبع الاتهام إلى زعيم الحزب السابق، عبد الإله بنكيران الذي أٌعفاه الملك قبل سنة من رئاسة الحكومة، لكن بنكيران صرح أخيرا إنه لا علاقة له بهذه الحملة. وعلى الرغم من عدم وجود أي رابط بين الحملة أو أية جهة سياسية في المغرب، فإن معارضيها مصرّون على اعتبارها حملة سياسية، وإن اتخذت لباسا اجتماعيا، الهدف منها تصفية حسابات سياسية بين خصوم سياسيين. أما المؤيدون للحملة فلكلٍّ منطقه الخاص لتبرير المقاطعة، بين من يعتبرها احتجاجا شعبيا تلقائيا، ومن يرى فيها ردا على المؤسسات الرسمية التي أخلّت بواجبها في حماية المواطن والدفاع عن قدرته الشرائية، وبين من يجد فيها فرصةً للتعبير عن الرفض بطريقة غير مكلفة.وإذا ما حاولنا أن نأخذ مسافة من المؤيدين والمعارضين، والنظر إلى الحملة بالعين المجردة المدققة، نصل إلى استنتاجات وخلاصات تستحق الدرس والتأمل، يمكن إيجاز أهمها فيما يلي:
حملة المقاطعة الحالية ظهرت أول مرة على وسائل التواصل الاجتماعي، وخصوصا منصة “فيسبوك” التي يوجد عليها أكثر من 15 مليون حساب مغربي، قبل أن تنتقل إلى أرض الواقع، وهو ما يؤكد الدور الذي باتت تلعبه المواقع الاجتماعية باعتبارها ساحات عامة افتراضية بديلة للتعبير والتحرك والفعل، وذلك رد فعل على التضييق والقمع الذي يطاول الفضاءات العمومية في الواقع.
جاءت الحملة تلقائية، ولم يظهر حتى الآن من يقف وراءها، وبالتالي فهي تقود نفسها بنفسها بدون تأطير أو قيادة، وإن حاولت جهاتٌ أن تجيرها لنفسها ولقضاياها، لكن سرعان ما تم اكتشاف محاولات الاستغلال المفضوحة للحملة وأهدافها، وظهرت العزلة الكبيرة التي تعيشها الأحزاب ونقاباتها، بعيدا عن هموم الشعب وتطلعاته، أما البرلمان والحكومة وباقي المؤسسات الرسمية والمنتخبة فسُقِطَ في يدها كلها بلا استثناء.
وأخيرا، إذا كانت الاحتجاجات ذات الطابع الاجتماعي التي عرفها المغرب هذه السنة والسنة الماضية، شكلت جيلا جديدا من الاحتجاجات ما بعد “الربيع العربي”، فإن حملة المقاطعة، والتي هي في حد ذاتها حركة احتجاجية، تشكل جيلا آخر من الاحتجاج غير المكلف سياسيا أو ماديا، وفي هذا رد على القمع الذي تعرّضت له الاحتجاجات التينزل أصحابها إلى الشارع، للتعبير عنها. إنها نوع جديد من العصيان المدني السلمي الذي يصعب قمعه، أو احتواؤه، وقد بدأ يؤتي أكله. .

Add a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.