في العلاقة بين كرة القدم والسلطوية

هناك نقاش يكاد يمزق الديمقراطيين في هذا الفضاء، كما في كل مرة، بين الفرحين بالإنتصار والتأهل الكروي، والذين لا يرون فيه مدعاة للفرح بالنظر للواقع الحقوقي والسوسيوقتصادي المرير، وتوظيف السلطوية لهذه الإنجازات، والملايير التي تستثمرها فيه ومن أجله.

كرة القدم في نهاية المطاف لعبة، فيها منتصر ومنهزم، ومن حق المنتصر أن ينتشي بانتصاره.. ولعل النقاش الدائر الآن لم يتخذ هذه الحدة من قبل بالنظر للعدد الهائل من المعتقلين السياسيين الذين يقبعون في سجون النظام الخ..

الرافضون للاحتفال منهم من يرى كرة القدم مجرد “افيون” او “ملهاة للشعوب” ومنهم من لا يشاطر هذا الرأي لكنهم رفضوا كل أشكال الاحتفال هذه السنة، بما فيها الاعياد، حدادا على الشهداء وضحايا التعسف الحقوقي الملكي..

خلف هذه العبارات، لعل السؤال الرئيس الذي يحرك الطرفين هو الآتي: هل للفرحة بالتأهل تأثير على المناخ السياسي في البلاد؟

بالتأكيد نعم، وإلا ما كانت السلطوية لتغدق عليه من أموال الشعب.. بالإضافة إلى الأهمية التي تكتسيها الرفاهية الجماعية في السياسات العمومية بشكل عام فإن الرياضة باتت مادة تدرس في فروع الجيوسياسيا في علم السياسة، وما جعلها كذلك عدة عوامل أبرزها: أثرها على تقدير الذات الجمعي، والتراتبية الاجتماعية بالتالي، وكذلك وحدة الشعوب، ناهيك عن كونها مؤشرا دقيقا على مدى التأثير الذي يمكن أن يمارسه مجمتع على آخر، عبر محاكاة الممارسات وغيرها من الملاحظات التي خلص اليها “باسكال بونيفاس” بعد دراسة لفترة الحرب الباردة، والعلاقة بين القوى الاستعمارية ومستعمراتها السابقة على مدى عقود من الزمن

وهذا ما نلامسه في واقعنا اليومي من خلال الاحتكاك بالجنسيات الاخرى، ولعل خير مثال ما عشته الأسبوع الماضي رفقة صديقي عمار التميمي مع سائق سيارة أجرة علمنا من خلال دردشة أنه كاميروني، وعندما علم أن عمار فلسطيني، أبدى نوعا من التعاطف مع القضية، وما إن سمع مني أنني مغربي حتى أطلق العنان بغير قليل من الحماس: آه.. الظلمي كريمو البياز الحداوي.. آه يا منتخب مكسيكو! وهناك بارع لا اذكر اسمه ..” يقصد التيمومي . وكذلك سردت له أسماء فريق الكاميرون بغير قليل من المتعة، من المبدع “روجي ميلا” إلى “مفيدي”، الذي أخبرني أنه توفي قبل ايام فانتابني إحساس غريب بالحزن لا أستطيع وصفه، وكذلك “كوندي”، و”نكونو” و”جوزيف انطوان بيل” الخ.. التفت إلي عمار مبتسما فقال: “عجيب ! تعرفان أسماء كل اللاعبين !”. قلت له يا صديقي هذه هي الجيوسياسيا.. كرة القدم وحدها تستطيع أن توحد شعوب افريقيا.. وتفوز في النقاش على القضية الفلسطينية..

وبكل بساطة هذا ما عبر عنه الحسن الثاني بصراحة في إحدى آخر خطبه عندما قال “إن الكثيرين يعرفون “موروكو” بعويطة ونوال اكثر مما يعرفونه بعد ربه”.

إلا أن الطامة الكبرى أنك عندما يجعل حكمك وفسادك وجورك شعبك يتصدر العالم في مؤشرات الفقر، والدعارة والمخدرات والفساد، ويرقد في الدرك الاسفل للتصنيفات العالمية للتربية والتعليم والتنمية البشرية، فإن كرة القدم لن تستطيع ترميم الدمار الذي لحق بتقدير الذات الجمعي حتى ولو فزت بكأس العالم..

هذه المقالة كُتبت ضمن التصنيف اجتماعيات, سياسة. الوسوم: , , , , , . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.